( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) البقرة 152
أولاً لماذا يجب أن نذكر الله تعالى كثيراً ؟
إن ذكر الله تعالى هو أم كل العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة وصدقات ، ولما كان لذكر الله تعالى كل هذا الحجم الهائل من العظمة والقداسة فقد فكرت فى عمل هذا البحث عن ذكر الله العلى العظيم , والآن هيا نجيب على السؤال : لماذا يجب أن نذكر الله تعالى ذكراً كثيراً :
1- كنا لا شيئاً فأصبحنا أشياءاً بفضله جلّ وعلا :
( أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ) مريم 67
2- كنا عدماً فمنحنا الله نعمة الكينونة :
( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) الإنسان 1
3- جئنا بإرادة الله تعالى إلى هذه الدنيا لا نعلم شيئاً :
( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل 78
4- كنا لا نملك شيئاً فمنحنا الله ما نملكه :
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) يس 71
5- وسخر لنا ربنا سبحانه كل شىء :
( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إبراهيم
33
( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) النحل 12
(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل 14
6- نتحرك ونعيش ونسعى بقوة الله تعالى :
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) يونس 22
ولهذه الأسباب جميعاً وغيرها كثير فرض الله على عبده الإنسان أن يذكره كثيراً فقال تعالى :
(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) الأحزاب 41-43
والمؤمن الحق بالله تعالى وحده لا شريكاً له يتلذذ بذكر الله تعالى ويأنس به ويسعد به ولا تهنأ الحياة بغيره :
(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) الرعد 28
أما الكافرون بالله تعالى فإنهم يكرهون ذكر الله العلى العظيم :
(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ) الأنبياء 36
بل إنهم تشمئز قلوبهم إذا ذكر الله تعالى أمامهم وحده وترقص قلوبهم المريضة فرحاً إذا ذكر الذين من دونه :
(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) الزمر 45
(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) الإسراء 46
(ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) غافر 12
ثانياً أنواع ذكر العبد لربه :
1- ذكر مزيف ينهى عنه الله :
ومن العجب العجاب أن الله تعالى قد فصل لنا فى كتابه العظيم كيف نذكره ومتى وأين ومستوى الصوت الذى نذكره به ونفصل ذلك فيما يلى :
( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ) الأعراف 205
ومع هذا التوجيه الربانى البين فإن أعداداً مهولة من المسلمين لا يذكرون الله تعالى إلا جهراً على المسبحات ، ورقصاً فى الموالد والساحات ، وضوضاءاً فى مكبرات الصوت والميكروفونات ، ضاربين بهذا التوجيه الربانى العظيم عرض الحائط معتقدين – ظلماً وعلواً – أن الله تعالى يرضى بهذه الضوضاء السيئة التى تزعج المرضى والشيوخ والأطفال وتقض مضاجعهم ، ولو كان ذكرهم لله بهذه الطريقة صحيحاً لما اعتبره الله تعالى غفلة وعدواناً ، لأن الله السميع العليم الذين يعلم أسرار الذرات والمجرات قادر على معرفة من يذكره وقادر على مكافأته ومجازاته ، أما هم فما قدروا الله حق قدره فهو يعتقدون أن الله تعالى يحتاج لذلك الضجيج وتلك الضوضاء الفظيعة لكى يسمعهم وهذا أكبر دليل على جهلهم بالله تعالى وبصفاته .
حتى عندما نريد أن ندعو الله تعالى فقد أنزل الله قانوناً سماوياً لطريقة الدعاء :
(ا دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف 55
ومع ذلك فانظر للطوائف والفرق المنتسبة للمسلمين وانظر ماذا يفعلون عندما يدعون ربهم ، والكم الهائل من الإزعاج الذى يسببونه لكل من يجاورهم أو يسمعهم ويعتقدون بذلك أنهم مؤمنون أتقياء صالحون والحق أنهم بهذه الأساليب المرفوضة قرآنياً جهلاء لا يعلمون شيئاً عن ربهم ولا عن كتابه العزيز .
بل إن صوت المصلى أثناء صلاته قد أنزل الله تعالى له قانوناً ربانياً يحكمه يقول تعالى :
( قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) الإسراء 110
ومما أود ذكره أن الناس قبيل بعثة الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام كانوا قد شوهوا ما ورثوه من عقائد دينية عن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحولوا الصلاة والذكر إلى أصوات عالية وقرع بالطبول والدفوف ومزاح ورقص وركض ولهو فقال عنهم الله تعالى :
( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الأنفال 35
2- ذكر حقيقى يأمر به الله تعالى :
إن ذكر الله تعالى لم يكن مجرد ترديد عشوائى لأسماء الله وصفاته دون تدبر معانيها والسعى خلف ما تهدى إليه هذه الأسماء الحسنى لله تعالى ، فرغم أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بكثرة ذكره ، إلا أن ذكر الله لا يكون فقط بترديد صفات الله العظمى وأسمائه الحسنى بلا هدف أو خطة ، حاشا لله ، بل إن الطبيب الذى يهتم بمريضه ويدقق فى فهم مرضه وتشخيصه وعلاجه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمهندس الذى يخطط بدقة لبناء البرج أو البيت أو لصناعة السيارة أو الطائرة أو الكمبيوتر هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمدرس الذى يشرح دروسه بالتفصيل ويحرص على توصيل المعلومات بشكل جيد وسلس وميسر لتلاميذه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والفلاح الذى يزرع أرضه بشكل صحيح ويتولاها برعايته وعرقه من أجل أن تخرج حباً صحيحاً قوياً يأكل منه عباد الله ومخلوقاته لتستمر الحياة هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والموظف الذى يرفض الرشوة خوفاً من عقاب الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، وضابط الشرطة الذى يطبق القانون بالتساوى بين الناس ويرفض إستخراج المعلومات من المتهمين بالقوة أو العنف أو التعذيب حوفاً من الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والقاضى الذى لا يخشى السلطان ويحكم فى قضاياه بروح القانون ولا تؤثر فيه أى إغراءات أو تهديدات هو ذاكر حقيقى لله تعالى …هكذا ، فلم ولن يكون ذكر الله تعالى هو مسبحة طولها متر أو نصف متر تشهرها فى وجه الناس ، ولا ميكرفون تتراقص فيه باسم الله بشكل مزعج ممرض لا يتحمله السمع الطبيعى معتقداً أنك من الصالحين والعكس هو الحقيقة ، ذكر الله هو أفعال قبل أن يكون أقوال ، ذكر الله هو الصدق فى القول والوفاء بالعهد والحفاظ على كرامة المتعاملين معك ، ذكر الله هو إعطاء كل ذى حق حقه بالقسطاس المستقيم ، ذكر الله هو هجر الزنا والخمر والسرقة وشهادة الزور والقتل ورمى المحصنات الغافلات ، ذكر الله هو عدم إلقاء الزبالة فى طريق الناس أو شرب السجائر بينهم فى المواصلات أو الأماكن الضيقة ، ذكر الله هو عدم إستغلال سلطتك فى إذلال الناس خاصة لو كنت قاضياً أو ضابطاً أو رئسياً أو مديراً ، ذكر الله هو القول الطيب والأسلوب المهذب مع الآخرين ، ذكر الله هو عدم الإعتداء على الآخرين واحترام رأيهم وفكرهم وعدم تحقير دينهم أو معتقدهم ، ذكر الله هو شعورك الدائم بحاجتك لله تعالى وبضعفك أمام خالقك جل شأنه ، ذكر الله هو يدك التى تمتد نحو الفقير والمسكين والمحتاج والمريض ، ذكر الله هو إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والوقوف فى وجه الظالم والمجرم والمعتدى الأثيم ، هذا هو – من وجهة نظرى- ذكر الله وليس ذكر الله هو تلك المسبحات الطويلة أو الذقون المشهورة فى وجوه الخلائق أو النقاب أو الحجاب أو المسواك أو الجلباب فكل هذه عادات يمكن إستبدالها بأخرى تساير العصر وتتفق مع روح الزمان والمكان دون إفراط أو تفريط ، وليس ذكر الله هو تلك الحلقات الراقصة المزرية التى تقول للعالم أن هؤلاء هم المسلمون وهذا هو ذكر ربهم ودينهم رغم أن هذا كله باطل وبهتان عظيم .
إن هؤلاء الذين يتمتعون بذكر حقيقى لله وليس ذكراً وهمياً كاذباً كما اسلفنا ، هؤلاء قد قال الله تعالى عنهم :
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَ
المزيد